الواردات التركية تملأ فراغ الحرب في سوريا.. وتضغط على صناعتها -- Aug 12 , 2026 7
تروّج شركة توريد تركية عبر موقعها الإلكتروني لبضائع تقول إنها الأكثر طلباً في السوق السورية، تشمل قائمة طويلة لسلع أساسية تبدأ من زيت دوّار الشمس، والسكر المكرّر، ومسحوق الحليب المجفف، ومعجون الطماطم إلى الشامبو والمنظفات تركية الصنع.
السلع الأساسية ليست الوحيدة التي تشهد طلباً في السوق السورية، إذ تظهر بيانات رسمية قفزة كبيرة في الصادرات التركية لسوريا من الأسمنت والماكينات والمعدات الكهربائية.
خلال عام 2025، عبرت المنافذ الحدودية بين سوريا وتركيا أكثر من 361 ألف شاحنة محملة بنحو ثمانية ملايين طن من البضائع، وفقاً لبيانات الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية.
ذهبت معظم تلك البضائع في الاتجاه السوري، حيث بلغت قيمة الصادرات التركية قرابة 3.5 مليار دولار، في حين تراجعت قيمة ما تبيعه سوريا لجارتها بنحو 46% لتصل إلى 235 مليون دولار، وهو ما يعني فائضاً تركياً يقارب الـ 3.3 مليار دولار.
يرى بعض المسؤولين السوريين في هذه البيانات دليلاً على تزياد الطلب المحلي واحتياجات البناء بعد سنوات الحرب التي دمرت الاقتصاد، في حين يراه البعض الآخر مؤشراً على منافسة غير عادلة قد تقوّض ما تبقى من الصناعة السورية.
يصعب تقدير حجم الواردات التركية قياساً إلى إجمالي عجز الميزان التجاري السوري في ظل غياب بيانات رسمية، غير أن دور أنقرة كأحد اللاعبين الرئيسيين في الاقتصاد السوري منذ سقوط الرئيس بشار الأسد في ديسمبر 2024 ليس محل شك.
ويكشف مازن علوش، مدير العلاقات العامة في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، لـ"الشرق بلومبرغ"، نمو حركة التجارة بين البلدين خلال النصف الأول من عام 2026، مع عبور نحو 209 آلاف شاحنة حمّلت 4.9 مليون طن من البضائع.
ويوضح أن المنافذ مع تركيا تستحوذ على حجم أكبر من حركة الشاحنات والبضائع، ولا سيما الواردات، مقارنة بالمعابر المشتركة مع الأردن والعراق، حيث تبرز حركة الترانزيت، في حين تشهد الحدود مع لبنان حركة متنوعة للمسافرين والبضائع.
المنتجات التركية أرخص سعراً
يبدو ذلك متسقاً مع التطورات السياسية أيضاً، حيث لعبت حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان دوراً كبيراً في إسقاط الأسد عبر دعم الرئيس الحالي، أحمد الشرع الذي أطاح به عسكرياً.
رافق ذلك إقبال كبير على الواردات مع تنامي الطلب المحلي وبداية تدريجية لإعادة البناء، وعودة لمئات الآلاف من اللاجئين، وهو ما تشترك فيه سوريا مع العديد من الدول الخارجة من صراعات طويلة دمرّت أسس الاقتصاد والصناعة الوطنية، وتركتها عاجزة عن المنافسة مع منتجات أجنبية أرخص سعراً.
يرجع خالد الخضر، مدير هيئة دعم وتنمية الإنتاج المحلي والصادرات السورية، في تصريح لـ"الشرق بلومبرغ"، اتساع فجوة الميزان التجاري بين دمشق وأنقرة إلى عوامل عدة، في مقدمتها الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والقطاعين الصناعي والزراعي في سوريا، ما قلص قدرة الاقتصاد على توليد فائض قابل للتصدير.
ويضيف أن طبيعة الواردات تسهم بدورها في تعميق العجز، إذ "تستورد سوريا من تركيا كميات كبيرة من منتجات المطاحن والحبوب والإسمنت ومعدات الكهرباء لتلبية احتياجات الأمن الغذائي وإعادة الإعمار".
غير أن العامل الأكثر تأثيراً، بحسب الخضر، يتمثل في فارق القدرة التنافسية السعرية، إذ تقل أسعار المنتجات التركية بنسب تتراوح بين 30 و40% مقارنة بالبدائل المحلية، مستفيدة من اقتصاد الحجم وتطور سلاسل الإمداد.
ارتفاع أسعار الواردات
أشار بيان أخير لصندوق النقد الدولي إلى تسارع كبير في معدلات التضخم هذا العام في سوريا بسبب ارتفاع فاتورة استيراد الوقود والغذاء نتيجة حرب إيران، بالإضافة إلى "قوة الطلب المحلي" وارتفاع أسعار المرافق وزيادة تكاليف السكن. وربط الصندوق تباطؤ التضخم في 2027 بـ "تراجع الضغوط الناجمة عن أسعار الواردات، واتباع سياسات مالية ونقدية سليمة".
كما أشارت المؤسسة الدولية إلى أهمية إعادة تأهيل القطاع المصرفي "بما يمكّنه من أداء دوره الأساسي في الوساطة المالية وتسهيل المدفوعات داخلياً ودولياً، فضلاً عن توفير آلية فعالة للمصرف المركزي لنقل أثر السياسة النقدية إلى الاقتصاد".
يتفق الخضر مع رؤية الصندوق حول دور المصارف، حيث يعتبر أن بطء دمج القطاع المالي السوري في النظام المالي الدولي أحد أهم العوامل التي تحد من قدرة الشركات السورية على التوسع في التصدير، وذلك رغم بدء مشاورات الربط المصرفي.
تركيا تسعى لبناء مناطق صناعية في سوريا لتعزيز التجارة البينية.. اقرأ القصة من هنا
مطالب بمنافسة عادلة
يرى حسام عابدين، عضو مجلس إدارة غرفة صناعة دمشق وريفها في مقابلة مع "الشرق بلومبرغ" أن ضعف القدرة التنافسية للصناعة السورية يعود بالدرجة الأولى إلى ارتفاع أسعار الطاقة، ولا سيما الكهرباء والديزل، إلى جانب "عدم تطبيق المواصفات الفنية على بعض المنتجات المستوردة بالشكل المطبق على المنتج الوطني".
ويميز عابدين بين نوعين من الواردات، قائلاً إن "استيراد المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج يعد مؤشراً إيجابياً إذا ساهم في تشغيل المصانع السورية وتأمين مدخلات الإنتاج من أسواق قريبة، أما زيادة المنتجات الجاهزة فإنها تستدعي تشديد الرقابة لمنع الإغراق وإخضاع الواردات للمواصفات القياسية ذاتها المفروضة على المنتج المحلي".
ويؤكد أن "الصناعيين السوريين لا يعارضون الانفتاح التجاري أو دخول المنتجات التركية، لكنهم يطالبون ببيئة إنتاج تسمح بمنافسة عادلة"، معتبراً أن المنافسة المنظمة قد تدفع المصانع إلى رفع الجودة وزيادة الإنتاجية، شريطة خفض تكاليف الإنتاج وتفعيل دور القطاع المصرفي في تمويل النشاط الصناعي.
تبدو هذه المطالب أكثر إلحاحاً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار إعلان دمشق وأنقرة استهداف رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 10 مليارات دولار خلال السنوات المقبلة.
مواد خام مقابل سلع مصنعة
في الوقت الراهن، لا يقتصر الاختلال على حجم التبادل التجاري، بل يمتد إلى طبيعته، إذ يشير الباحث الاقتصادي يونس الكريم لـ"الشرق بلومبرغ"، إلى أن اتساع العجز تزامن مع تغير خريطة التجارة السورية بعد سقوط النظام السابق، وتحول السوق من الاعتماد على روسيا وإيران إلى السوق التركية، في وقت تعاني الصناعة المحلية من ضعف التمويل وارتفاع تكاليف الإنتاج.
تتركز الصادرات التركية في سلع ذات قيمة مضافة مرتفعة، مثل المواد الغذائية المصنعة والحديد والفولاذ والبلاستيك ومواد البناء والآليات والأجهزة الكهربائية، في حين تتركز الصادرات السورية بصورة رئيسية في المواد الخام والمنتجات الزراعية، مثل القطن وزيت الزيتون والخضروات والملح، بحسب الكريم.
ويشير إلى أن تركيا تمتلك قاعدة صناعية واسعة وسلاسل توريد متطورة تمنح منتجاتها أفضلية واضحة في السوق السورية، مدعومة بالقرب الجغرافي وتشابك العلاقات التجارية، والقبول الأوسع للمنتج التركي لدى المستهلك السوري. في المقابل، يرى الكريم أن علاقات سوريا التجارية مع الأردن ولبنان والعراق تتسم بقدر أكبر من التوازن.
ويلفت الباحث الاقتصادي السوري إلى أن بعض المستثمرين الأتراك بدأوا التوجه نحو تأسيس منشآت صناعية داخل سوريا للاستفادة من انخفاض تكلفة العمالة والمواد الأولية، مع الاعتماد في الوقت نفسه على استيراد مستلزمات الإنتاج من تركيا، وهو نموذج يرى أنه قد يخدم الشركات التركية أكثر مما يسهم في بناء قاعدة صناعية سورية.
ويحذر من أن استمرار اتساع العجز التجاري سيزيد الحاجة إلى تمويل الواردات بالعملات الأجنبية، ما يضيف مزيداً من الضغوط على سعر صرف الليرة السورية.
رهان على تغيير المعادلة؟
اللافت أن بيان بعثة صندوق النقد لم يشر إلى أي اختلال واضح في ميزان المدفوعات، بل أشار إلى تحسن متوقع في المالية العامة خلال 2026 مدفوعاً بزيادة "إيرادات الضرائب والجمارك خلال النصف الأول من العام، إلى جانب ارتفاع إيرادات الهيدروكربونات وبعض الإيرادات الاستثنائية، بما في ذلك رسوم تراخيص الاتصالات ورسوم عبور الوقود".
وتشير تقارير إلى ارتفاع في نسب الأسر السورية التي تحصل على تحويلات أجنبية من الخارج خلال عام 2025، بحسب تقييم لبرنامج الأغذية العالمي بالمشاركة مع الحكومة السورية.
غير أن السلطات السورية تراهن على تحويل الانفتاح التجاري من مسار يقود إلى زيادة الواردات إلى فرصة لجذب الاستثمارات وتوسيع قاعدة الصادرات.
ويؤكد خالد الخضر، مدير هيئة دعم وتنمية الإنتاج المحلي والصادرات السورية، أن الهيئة تعمل على تفعيل أعمال "اللجنة الاقتصادية والتجارية المشتركة مع تركيا" (JETCO)، إلى جانب توقيع اتفاقيات للتعاون الاقتصادي ترسم خارطة طريق للتكامل التجاري والجمركي بين البلدين.
تشمل الخطة، بحسب الخضر، إلغاء القيود السابقة على حركة البضائع والترانزيت عبر المعابر البرية، وتبسيط الإجراءات الجمركية، فضلاً عن تعزيز التواصل المباشر بين المصدرين السوريين ومجلس المصدرين الأتراك لمعالجة العوائق الفنية واللوجستية.
كما تعمل الحكومة على تطوير البنية التحتية اللوجستية، بما يشمل ممر غازي عنتاب - حلب، وتحديث ممرات النقل البري لخفض تكاليف الشحن، بالتوازي مع تشجيع الاستثمارات الصناعية المشتركة بهدف نقل التكنولوجيا ورفع جودة المنتج السوري.
غير أن هذه الجهود قد تؤدي إلى تعبيد الطريق أمام مزيد من الواردات التركية، إلا إذا استطاع الاقتصاد السوري استعادة جزء كبير من طاقته الإنتاجية.
المصدر:
الشرق بلومبرغ